احدث التعليقات

دكتور/عبدالحكيم خليل
أشكرك دكتورة نيفين على ما أبدعتيه في تأصيل أفكار المعارضة لدينا من حيث المعنى والاصطلاح وارتباطها بثقافتنا الاسلامية والمعاصرة وأرجوا التواصل في أعمال قادمة إن شاء الله دكتور عبدالحكيم خليل أستاذ العادات والمعتقدات الشعبية بأكاديمية الفنون

أزهار
السلام عليكم يسعدني ان اتصفح موقعكم المثري حقيقة هو مصدر للرقي الفكري و منبر علمي قيم جعله الله في ميزان حسناتك و صدقة جارية في الدنيا و الاخرة سيدتي الفاضلة

مقالات

من وقائع السيرة العطرة..تأملات فى الفكر و السياسة و المجتمع

كانت حياة محمد (صلى الله عليه و سلم) وسيرته العطرة وستظلان مصدر إلهام لعديد من الدارسين والباحثين وعلماء الإسلام الأفاضل، من ذلك ما يطالعنا به فضلية الشيخ محمد الغزالي في كتابه "فقه السيرة" بقوله: "نحن موقنون من مطالعة سيرة محمد (صلى الله عليه و سلم) بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب والنظر السديد.......

 

من وقائع السيرة العطرة..

 

تأملات في الفگر والسياسة والمجتمع

 وقد كان يستعين بصمته الطويل.. صمته الموصول بالليل والنهار، صمته المطبق على الرمال الممتدة والعمران القليل. كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمل، وإدمان واستكناه الحق"(1).

 

ولقد اهتم المسلمون بالسيرة النبوية وجمع أخبارها والتأليف في حوادثها؛ مما أدى إلى إثراء التصنيفات والتعدد في المؤلفات الموثقة التي تكشف عن معظم جوانبها: التشريعية والأخلاقية  والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وغير ذلك من جوانب لا يزال كثير من المعاصرين يكشفون عنها، وقد أثمر هذا الجهد تراكمًا معرفيًا جعل العديد من الباحثين والدارسين يوجهون عنايتهم وجهدهم إلى استخلاص العبر والعظات والدروس المستفادة من مطالعة السيرة النبوبة، وتشعبت في سبيل ذلك البحوث ما بين التسجيل التاريخي، والكشف المتعمق لجانب أو آخر في حياة المجتمع المسلم.

 

ونحن في هذه الورقات نفتح بابًا يكشف عن جانب مهم يتعلق بالفكر والسياسة والمجتمع، وما أحوجنا إلى هذا الجانب خاصة في عصرنا الذي يزخر بعديد من الصراعات والأفكار الوافدة من كل حدب وصوب، مما يجعل لجوءنا إلى سيرة نبينا الكريم (صلى الله عليه و سلم) بلسمًا للنفوس وشفاءً للأرواح والعقول التي ران عليها ما نعاصره من ملمات والتباسات.

 

لقد كان في تحنث (تعبد) رسولنا الكريم (صلى الله عليه و سلم) في غار حراء - هذا الغار المهيب، بعيدًا عن أي لغو أو صخب حيث تصفو النفس وتنقية للفكر - درس كبير لكل من أراد أن ينأى بنفسه عن غوائل الحياة وأمواجها المضطربة، ولكل من أراد أن يهيئ نفسه لعظيم المهمات وجلائل الأعمال، فالتأمل والتفكر والتدبر ينقي الفكر من شوائب الدنيا المضطربة، وكشف للحجب التي تحول بين المرء والسلام الداخلي. وهذه نعمة من الله أنعم بها على رسولنا الكريم، وهيأه بها لتحمل الرسالة وأعبائها.

 

وبذلك أصبحنا - معشر المسلمين، أمة "اقرأ" - المدعوين إلى القراءة بكل معانيها: القراءة في كتاب الكون الواسع الفسيح، والقراءة والتدبر في آيات الله التي أنزلها في محكم كتابه (عز وجل)، عسى أن ننتفع بالقراءة، ولا نكون من الغافلين.

 

ولكي نستعيد ارتباطنا بالسيرة النبوية كمنهج حياة؛ علينا أن نأخذ بالقراءة الجامعة بين الوحي والتطبيق العملي المتمثل في السيرة النبوية، حيث تتكشف أبعاد التفاعل ما بين السيرة والمجتمع والدولة.

 

وأول ما يدعونا إلى التأمل والتدبر في السيرة النبوية العطرة هو ذلك الصبر والتحمل في سبيل نشر الدعوة، وقليلون هم الذين يصبرون على تحمل الصعاب والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل ما يؤمنون به، وهم فقط أصحاب الرسالات والمصلحون، وعلى رأسهم الأنبياء وأولو العزم من الرسل، الذين يضربون للبشر أروع الأمثلة في الصبر والاحتمال.

 

ولقد تحمل نبينا (صلى الله عليه و سلم) صنوفًا من الشدائد، ولم يمنعه ذلك من إكمال رسالته. ومما لاقاه الرسول (صلى الله عليه و سلم) في أول الدعوة، ما عاناه من مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب، حتى إنهم كتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، وما إن نقضت الصحيفة حتى اشتد البلاء على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بعد موت زوجه خديجة (رضي الله عنها) وموت عمه أبي طالب (وكان بينهما ثلاثة أيام)، فاجترأ سفهاء قومه عليه، فخرج الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى الطائف يدعوهم، فلم يجيبوه إلى شيء مما طلبه، وآذوه أذًى عظيمًا.

 

والمتتبع لسيرته (صلى الله عليه و سلم) يدرك أنه لم يتوقف عن إرسال الوفود تلو الوفود والدعاة في أثر الدعاة للتبشير بالإسلام، رغم ما كانوا يلاقونه من أهوال وصعاب، مثلما حدث بالنسبة "لبعث الرجيع الذي بعثه (صلى الله عليه و سلم) بقيادة عاصم بن ثابت الأنصاري في أول السنة الرابعة من الهجرة إلى بني أحيان من هزيل"(2).

 

ولقد ظلت الدعوة والصبر عليها وتحمل الأذى في سبيلها تأسيًا بسيرة المصطفى (صلى الله عليه و سلم) مطمحًا لكثيرين ممن عمر الإيمان قلوبهم، بل إن عديدًا من الباحثين في مجال الدراسات السياسية الإسلامية اعتبر "الدعوة هي مناط العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية"(3)، وذلك استنادًا إلى سيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) وتفانيه في حمل لواء الدعوة والمصابرة عليها، وليس أدل على ذلك من قوله (صلى الله عليه و سلم) لعمه أبي طالب وهو يعرض عليه ما عرضته قريش من أن يترك أمر الدعوة في مقابل ألا يتعرضوا له، فقال (صلى الله عليه و سلم): "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"(4). وليس أدل على كون الدعوة هي أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم مما جاء ذكره في عديد من كتب التراث من أنه (صلى الله عليه و سلم) كان إذا بعث بعثًا أوصى باستعمال اللين والتآلف بين الناس، والتأني في السلوك والخطاب، حتى تتآلف القلوب وتصفو النفوس، ومن ذلك قوله (صلى الله عليه و سلم): "تآلفوا الناس، وتأنوا بهم"(5).

 

وإذا عبرنا من المرحلة المكية حيث كانت الدعوة في مهدها ترسخ الإيمان في القلوب، وانتقلنا إلى المرحلة المدنية، حيث أرسيت قواعد المجتمع الإسلامي؛ فإن أول ما يطالعنا في هذا الخصوص هو: درس عظيم في "المؤاخاة"، حيث آخى الرسول (صلى الله عليه و سلم) بين المهاجرين والأنصار، فكانت الأخوة الحقيقية هي أخوة العقيدة، وهي الرباط القوي الذي يربط بين أفراد المجتمع المسلم، ويقوم عليها بنيانه، طبقها الرسول (صلى الله عليه و سلم) في مكة بين الأحياء القرشية: فكان بلال الحبشي وعبيدة بن الحارث أخوين، وأبو بكر وعمر أخوين، وحمزة بن عبد المطلب ومولى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) زيد بن حارثة أخوين. ونلاحظ أن القرابة من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لم تغن أبا لهب شيئًا، ونزل في ذمه قرآن يتلى إلى قيام الساعة.

 

وكانت تلك المؤاخاة بين أبناء القبيل الواحد بمنزلة تمهيد للمؤاخاة الكبرى التي تمت في المدينة بين المهاجرين والأنصار والتي مثلت نموذجًا رائدًا لتطبيق الأخوة بين أفراد المجتمع الإسلامي بشكل عملي، وهو أمر لم يحدث من قبل، وظهرت فيها صور من المشاعر والكرامة الإنسانية يندر أن نجد لها مثيلاً، حيث لم تستغلها جماعة على حساب جماعة أخرى، ولم تتخذ ذريعة لتحقيق مآرب شخصية أو مكاسب فردية، بل لقيها كل فرد بالتضحية والتفاني والإخلاص، فعند الأنصار وجدنا موقف "الإيثار"، وعند المهاجرين وجدنا عزة النفس والتعفف(6).

 

فلله درهم، كم هي رائعة تلك الأخوة الإسلامية! وما أحوجنا لهذه الأخلاق، ونحن نشاهد الأثرة والأنانية تغزو النفوس الضعيفة.

 

وإذا انتقلنا من تنظيم الرسول (صلى الله عليه و سلم) لعلاقة المسلمين بعضهم ببعض (مهاجرين وأنصار)، إلى التنظيم الكلي لمجتمع المدينة لنستخلص الدروس المستفادة من سيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) من تلك المرحلة، فإن أهم ما يطالعنا بهذا الخصوص هو: "الكتاب" أو"الصحيفة"(7) التي حددت الأساس الذي قام عليه مجتمع المسلمين في "يثرب" التي أصبحت "المدينة" - بعد هجرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) إليها - وفصلت الحقوق والواجبات لكل الفئات داخل هذا المجتمع.

 

وبالنظر إلى الظروف المجتمعية والسياسية التي أحاطت بكتابة هذه "الصحيفة" سوف نلاحظ أن المجتمع "اليثربي" حين مقدم النبي (صلى الله عليه و سلم) إليه - كان "مجتمعًا متعددًا بكل معنى الكلمة"(8).

 

وتفصيل ذلك أنه كان يضم عدة فئات اجتماعية تتعدد روابطها، فهناك الجماعة المكية المهاجرة التي ترتبط أساسًا برابطة العقيدة والإيمان بالدين الجديد، وهم الذين عرفوا "بالمهاجرين"، وهناك سكان المدينة الذين دخلوا في الإسلام، وعرفوا "بالأنصار"، وهؤلاء تجمعهم بالإضافة إلى رابطة العقيدة والإيمان روابط قبلية وعشائرية، ثم هناك جماعة أخرى من أهل المدينة لم تؤمن بعد بالدين الجديد ورابطتها الأساسية الولاء القبلي، ثم هناك اليهود من بني قينقاع، وكانوا يقيمون في "يثرب" ذاتها، وبني قريظة وكانوا يقيمون في ضاحية "يثرب" من الجنوب الشرقي، وبني النضير وكانوا يقيمون في ضاحية "يثرب" من جهة الغرب(9). وكان سكان "يثرب" من العرب الوثنيين من قبيلتين، هما: الأوس والخزرج، وكعادة المجتمع القبلي كانت بينهم حروب شديدة هدأت قبل مقدم النبي (صلى الله عليه و سلم) بوقت قليل.

 

كيف تعاملت "الصحيفة" إذن مع هذه التشكيلة التعددية وكيف أرست قواعد المجتمع الجديد مجتمع دولة "المدينة"؟

لقد تضمنت "الصحيفة" أولاً تحديدًا لحقوق "المواطنة"، ومفهوم "الأمة"، فقررت أن "المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وحل معهم، وجاهد معهم - أمة واحدة دون الناس"(10)، وأنها جعلت من الواقع بتوازناته القائمة محددًا لها، فأبقت على الولاءات الأولية والنظرية، واعترفت بشرعيتها ولم تسع إلى إلغائها أو القضاء عليها، وإنما حاولت الاستفادة من إيجابياتها؛ حيث سعى الإسلام إلى توظيف الروابط القبلية والعشائرية لمصلحة المبدأ والعقيدة، فكان الجيش يخرج ولكل قبيلة لواؤها الذي يميزها، فكانت تتنافس في "الجهاد" وفي إظهار شجاعتها(11).

 

أما عن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فقد حددتها "الصحيفة" في صيغة تعاقدية تتبادل فيها الجماعات الحقوق والالتزامات على أن تكون المرجعية العليا في ذلك للكتاب والسنة. فقد قامت بترتيب علاقات كل القوى الموجودة بالمدينة على اختلاف انتماءاتها: فالمؤمنون والمسلمون من المهاجرين والأنصار هم أمة واحدة تجمعهم رابطة العقيدة، وتزاوج معها رابطة الانتماء للعشيرة، وكل طائفة منهم تفدي "عانيها بالمعروف والقسط"، أما بالنسبة لأهل الكتاب من اليهود، فقد تم قبولهم كقوة اجتماعية لها ما للمسلمين وعليها ما عليهم، ويكون زعيم كل طائفة منهم مسؤولاً عن الالتزام بما في "الصحيفة". أما المشركون، فقد عاملتهم "الصحيفة" كأفراد لأن معاملتهم كجماعة كانت تمثل خطرًا على مجتمع "المدينة".

 

وهكذا تعددت أسس التعامل مع كل جماعة بما يلائمها، وبشكل مناسب لا تناقض فيه، حيث جمعت في داخله نمطين من الترابط الاجتماعي: أولهما هو ما يمكن تسميته بالترابط التضامني المؤسس على وحدة العقيدة، وثانيهما هو الترابط التعاقدي القائم على علاقات المصلحة والمنفعة المشتركة(12).

 

وأقرت "الصحيفة" حرية الدين، وحددت موقع أصحاب الديانات الأخرى من دولة الإسلام، فإنه "من تبعنا من اليهود فإن له المعروف والأسوة غير مظلومين"، وأن "الوطن له حرمته"(13)، "المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة".

 

ونلاحظ أن حرمة الوطن شملت ما أسمتهم "أهل هذه الصحيفة" وهم كل من شملتهم "الصحيفة" من مسلمين: مهاجرين وأنصار، ويهود بطوائفهم المختلفة، ومشركين مقيمين بشرط ألا "يجير مشرك مالاً لقريش". وبناءً عليه، فقد نص في الصحيفة على أن "اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين"، وأن "بينهم النصر على من حارب أهل هذه "الصحيفة"، "وأن بينهم النصيحة والنصر للمظلومين".

 

وكل هذه القواعد يحكمها عدم محاربة الدين الإسلامي، وأنه "ما كان بين أهل هذه "الصحيفة" من حدث يخيف فساده، فإن أمره إلى الله وإلى محمد النبي".

 

ما أبلغ عمق هذه النصوص واضحة الدلالة على أن التطبيق الإسلامي يتسع فيه الوطن لغير المسلمين، وأن العلاقات بينهم تحكمها أسس مبنية على العدل، والاشتراك في النصيحة، والاشتراك في الغُنم والغُرم، كما أن بها اعترافًا واضحًا بالتعددية والتنوع والاختلاف بجميع دوائره: ففي دائرة الاختلاف العقدي، اعترفت باليهود أهل كتاب، وكفلت لهم حقوقًا، وحددت لهم واجبات، كما أنها اعترفت بدائرة الانتماء للأقوام والعشائر والأفخاذ والبطون كأمم أي كجماعات ضمن مجتمع الدولة كله.

 

ويكمل هذا الاعتراف بالتعددية وقبول التعايش مع الآخر العهد الذي أعطاه الرسول (صلى الله عليه و سلم) لنصارى نجران، فهو يقدم نموذجًا لعقد "الذمة" بين المسلمين والكتابيين، ويفصل ما جاء في "الصحيفة". وقد أقر هذا العهد حرية الأديان، وكذلك حرية ممارسة "الشؤون الاقتصادية". ويلاحظ أن كلمة "ذمة" وردت في هذا العهد مضافة إلى "محمد"، وهي لغة: مثل الزمام والمذمة، ومعناها - كما يقول صاحب المفردات في غريب القرآن - "ما يذم الرجل على إضاعته من عهد"(14).

 

إذن، فقد كفلت هاتان الوثيقتان مشروعية تعدد القوى والتكوينات الاجتماعية وحقها في التعايش، وفي التعبير عن نفسها، وفي المشاركة في الأمور الاقتصادية، وفي الدفاع عن المجتمع إذا ما داهمه خطر. وما نلاحظه ونؤكده أن هذا الاعتراف بالتعدد والتنوع كان دائمًا في إطار من الوحدة التي تجعل المجتمع في النهاية كلاً متماسكًا ومتفاعلاً في الحفاظ على كيانه ووجوده.

 

وإذا انتقلنا إلى ملمح آخر للسيرة النبوية الخالدة نتعلم منه دروسًا بليغة في الحكمة والروية وبعد النظر، وهو المتعلق "بصلح الحديبية"، فسنجد أن كتب السيرة تحدثنا عن خروج الرسول (صلى الله عليه و سلم) معتمرًا في ألف ونيف.. وأنه لما علم المشركون بذلك خرجوا إليهم يمنعونهم من دخول مكة، وكان الرسول (صلى الله عليه و سلم) قد وصل إلى الحديبية (وهي بئر تبعد تسعة أميال عن مكة ناحية المدينة، وقد سمي المكان بها)، وتراسل الرسول (صلى الله عليه و سلم) هو والمشركون حتى جاء سهيل بن عمرو فصالحه على: "أن يرجع عنهم عامهم هذا، وأن يعتمر من العام المقبل"، وسمي ذلك "صلح الحديبية".

 

وكان لهذا الصلح شروط قبلها (صلى الله عليه و سلم)، وكرهها جماعة من الصحابة (رضي الله عنهم)، منهم: عمر بن الخطاب، فراجع أبا بكر الصديق في ذلك، ثم راجع النبي (صلى الله عليه و سلم)، فكان جوابه (صلى الله عليه و سلم): "أنه عبد الله ورسوله وليس يضيعه، وهو ناصره" (استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه، ورواه في كتاب التفسير - باب قوله: إذ يبايعونك تحت الشجرة). فما هذه الشروط التي قبلها (صلى الله عليه و سلم) وكرهها نفر من الصحابة، وكان فيها عظيم المصلحة كما ارتآها (صلى الله عليه و سلم) بثاقب نظره وحكمته؟

من هذه الشروط: عقد هدنة بينه وبين المشركين لمدة عشر سنين، وكانت هذه الهدنة من أكبر الفتوحات للمسلمين (كما قال عبد الله بن مسعود - ])، ومنها أيضًا أنه من: "شاء دخل في عَقد رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ومن شاء دخل في عقد قريش، على أنه لا يأتينه أحد منهم وإن كان مسلمًا إلا رده إليهم، وإن ذهب أحد من المسلمين إليهم لا يردونه إليه"(15).

 

وقد كان وقع شروط الحديبية عظيمًا على نفوس المسلمين؛ لأن الشروط في ظاهرها تضعهم في مكان الضعف، ولذلك غمغم أناس بالتردد والتساؤل والاستغراب، وبخاصة حيال هذا الشرط، وتجرأ عمر (])، فراجع أبا بكر ثم راجع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) نفسه، وقال: "علام نعطي الدنية في ديننا مادمنا على الحق؟!" ولكن الله ورسوله (صلى الله عليه و سلم) كانا أعلم بمصالح المسلمين وأرأف بهم من أنفسهم، وجاءت قريش بعد مضي الأيام تستنجد بمحمد (صلى الله عليه و سلم) أن يحط عنها هذا الشرط الذي أهمها وأقض مضاجعها؛ لأن المسلمين الذين ردهم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أصبحوا مصدر خطر لقريش، وكوّنوا بقيادة أبي بصير جماعة غير مسؤولة ولا ملتزمة بشروط الصلح، تمنع وصول المؤن إلى مكة وتهدد تجارتها، وفي المقابل لم يثبت أن أحدًا من المسلمين ذهب مرتدًا من عند رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلى قريش بعد أن عمّر الإيمان قلبه وأنار الله بصيرته بالإسلام"(16).

 

وبخصوص "صلح الحديبية" أيضًا نذكر ملمحًا آخر عظيم القيمة، وهو الذي نلمسه عندما فرغ الرسول (صلى الله عليه و سلم) من وقائع الصلح، ثم شرع في التحلل من عمرته، وأمر الناس بذلك، فشق عليهم أن يفعلوا وتوقفوا، فغضب (صلى الله عليه و سلم) ودخل على أم المؤمنين السيدة أم سلمة (رضي الله عنها) فذكر لها ما حدث، فقالت "اخرج أنت يا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فاذبح هديك، واحلق رأسك، والناس يتبعونك" فخرج ففعل، فبادر الناس إلى موافقته، "فحلقوا كلهم إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي، فإنهما قصرا، (ذكره السهيلي في الروض الآنف)"(17). وما نود الإشارة إليه - بهذا الخصوص - أن ما أشارت به السيدة أم سلمة على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لهو دليل على أن المرأة لا تنقصها قدرة المشورة الصائبة، وأن الرسول (صلى الله عليه و سلم) عمل برأيها ومشورتها في هذه الواقعة الهامة، وهو دليل أيضًا على أن من النساء من يرجح عقلها ويصوب رأيها.

 

وأخيرًا وليس آخرًا، نتأمل في ذلك الملمح الفريد للسيرة النبوية الخالدة، وهو "تكامل النبوة والإنسانية"، فالرسول (صلى الله عليه و سلم) صاحب هذه السيرة جمع بين كونه رسولاً يوحى إليه من ربه، وهو في الوقت نفسه بشر {يّأًكٍلٍ پطَّعّامّ $ّيّمًشٌي فٌي الأّسًوّاقٌ} (الفرقان: 7)، فجمع في شخصه الكريم بين كمال النبوة وعظيم صفاتها، وبين الطبيعة البشرية في أفضل صورها وأحسن سيرتها، "وبهذا الجمع حقق للمسلمين أسمى صور التماسك والفاعلية والإنجاز التي يمكن أن تطمح لها أمة من الأمم"، وذلك في توازن رائع "لم تطغ فيه النبوة على البشرية ولا البشرية على النبوة"، فقد كان (صلى الله عليه و سلم) يمارس حياته كبشر سوي، عاش كل مشاعر الإنسانية من: العزلة والاختلاط، والخوف والرجاء، والفرح والحزن... إلخ، وهو في جميع الأحوال يضرب المثل الأروع في الخلق القويم، وفي مكارم الأخلاق، وهذا "المثل" ليس فيه تعجيز للبشر وإلا لم يكن الأمر باتخاذه أسوة حسنة واتباع سنته (صلى الله عليه و سلم) أمرًا ذا جدوى، كما أن هذا "المثل" و"الأسوة" ليس من جنس من يطلق على سيرتهم أوصاف: البطل، أو المصلح، أو العبقري، أو المناضل... إلى آخر ذلك من أوصاف تطلق على عظماء البشر، ذلك أن أيًّا من هذه الأوصاف "يعجز عن إدراك كنه العظمة والإعجاز في هذه السيرة، وهذه الشخصية"(18)، وقد صدق ابن حزم حين قال: "فإن سيرة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله حقا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفى"(19). 

وفي الختام، فقد استعرضنا في هذه السطور بعضًا مما يمكن أن يذكر ويقال، وهو غيض من فيض تأملنا به في وقائع السيرة العطرة، وهناك جوانب عديدة لا يتسع المقام لتناولها جميعًا، وسوف تظل السيرة النبوية الخالدة مصدر إلهام ومعينًا لا ينضب للباحثين والدارسين عبر العصور. <

 

المراجع:

(1) محمد الغزالي، فقه السيرة، (القاهرة: المطبعة السلفية، ط 8، 1407ه/ 1987م)، ص 69 - 77.

 

(2) د. عبد العزيز غنيم، محمد (صلى الله عليه و سلم) من الحرب والسلام، (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - مركز السيرة والسنة، 1989م، ص 22/39، وانظر أيضًا: ابن كثير، البداية والنهاية، (القاهرة: 1351ه)، ص 62- 81.

 

(3) د. أحمد عبد الونيس شتا، "الأساس الشرعي والمبادئ الحاكمة للعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية"، في: مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1، 1417/1996م)، ج1، ص 160 وما بعدها.

 

(4) ابن هشام (أبو محمد عبد الملك)، السيرة النبوية، (القاهرة: المكتبة التوفيقية، (د. ت)، ج1، ص 266). نقلاً عن المرجع السابق، ص 164 .

 

(5) د. أحمد عبد الونيس شتا، مرجع سابق، ص 165، نقله عن: السرخسي، شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: صلاح الدين المنجد، (معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، 1972م)، ج1، ص 59، د. وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، (دمشق: دار الفكر، 1962م)، ص 15، وانظر كذلك: الشوكاني، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، تحقيق: محمد إبراهيم زايد، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1402ه/1985م)، ج4، ص 526.

 

(6) ابن كثير، الفصول، مرجع سابق، ص 106.

 

(7) انظر النص في: ابن هشام، السيرة النبوية، مرجع سابق، ج2، ص: 64-65، كذلك جاء ذكر هذه الصحيفة وبعض فقراتها في عديد من المصادر، منها: ابن سعد، الطبقات الكبرى، (القاهرة: دار التحرير، (د. ت)، ج4، ص 68)، ومحمد حميد الحيدر آبادي (جمع)، مجموعة الوثائق الإسلامية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، (القاهرة: لجنة التأليف والنشر والترجمة، 1958م)، ص 41.

 

(8) كمال السعيد حبيب، قراءة جديدة في وثيقة المدينة، مجلة منبر الشرق، العدد 1، السنة 1، رمضان 1412ه/ مارس1992م، ص 117.

 

(9) انظر بيان توزيع الوجود اليهودي في: د. صابر طعيمة، التاريخ اليهودي العام، (بيروت: دار الجيل، ط 2، 1983م)، ج2، ص 114.

 

(10) ابن هشام، السيرة النبوية، مرجع سابق، ج2، ص 64.

 

(11) كمال السعيد حبيب، مرجع سابق، ص 121.

 

(12) المرجع السابق، ص 122، وما بعدها.

 

(13) د. أحمد صدقي الدجاني، "التعددية السياسية في التراث العربي الإسلامي"، ندوة التعددية السياسية في الوطن العربي، (الأردن - عمان: منتدى الفكر العربي، 26 - 28 / 3/ 1989م)، ص 147.

 

(14) المرجع السابق، ص 149.

 

(15) ابن كثير، الفصول، مرجع سابق، ص 164.

 

(16) المرجع السابق، ص 164، 165.

 

(17) المرجع السابق، ص 166.

 

(18) د. مصطفى منجود، "ضوابط التعامل مع التاريخ الإسلامي"، في: مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سابق، ج3، ص: 118، 119.

 

(19) المرجع السابق، ص 119، ونقلاً عنه انظر: د. محمد كمال شبانة، حول السيرة وآدابها، (القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1410ه/ 1989م)، ص 7.

 

مجلة الرسالة مارس 2010

 

 

الاكثر قراءة
رسالة دكتوراة

البوم الصور
















الرئيسية | السيرة الذاتية | الاخبار | البوم الصور | اتصل بنا| سياسة الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة لموقع الدكتورة نيفين عبد الخالق